عبد الرحمن السهيلي

25

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

القياس إذ كانوا لا يجمعون الجمع الذي ليس لأدنى العدد ، فأحرى ألا يجمعوا جمع الجمع ، وأبين خطأ في هذا القول غفلتهم عن الهمزة التي هي فاء الفعل التي في أصيل وأصل ، وكذلك هي فاء الفعل في أصائل ، لأنها فعائل ، وتوهموها زائدة كالتي في أقاويل ، ولو كانت كذلك كانت الصاد فاء الفعل ، وإنما هي عينه ، كما هي في أصيل وأصل ، فلو كانت أصائل جمع آصال ، مثل أقوال وأقاويل لاجتمعت همزة الجمع مع همزة الأصل ولقالوا فيه : أواصيل بتسهيل الهمزة الثانية ، ووجه آخر من الخطأ بين أيضاً ، وهو أن أفاعيل جمع أفعال ، لا بد من ياء قبل آخره ، كما قالوا في أقاويل ، فكان يكون أواصيل ، وليس في أصائل حرف مد ولين قبل آخره إنما هي همزة فعائل ، ومن الخطأ في قولهم أيضاً : أن جعلوا أصلاً جمعاً كثيراً مثل رغف ، ثم زعموا أن آصالاً جمع له ، فهم بمنزلة من قال في رغف جمع أرغاف ، فإن قيل : فجمع أي شيء هي آصال ؟ قلنا : جمع أصل الذي هو اسم مفرد في معنى الأصائل لا جمع أصل الذي هو جمع ، فإن قيل : فهل يقال أصل واحد ، كما يقال أصيل واحد ؟ قلنا : قد قال بعض أرباب اللغة ذلك ، واستشهدوا بقول الأعشى : يوماً بأطيب منها نشر رائحةٍ * ولا بأحسن منها إذ دنا الأُصل أي : دنا الأصيل ، فإن صح أن الأصل بمعنى الأصيل ، وإلا فآصال جمع أصيل على حذف الياء الزائدة مثل طوي وأطواء ، ولا أعرف أحداً قال هذا القول ، أعني : جمع جمع الجمع غير الزجاجي وابن عزيز . وقوله : وموطئ إبراهيم * في الصخر رطبة يعني موضع قدميه حين غسلت كنته رأسه ، وهو راكب ، فاعتمد بقدمه على الصخرة حين أمال رأسه ليغسل ، وكانت سارة قد أخذت عليه عهداً حين استأذنها في أن يطالع تركته بمكة ، فحلف لها أنه لا ينزل عن دابته ، ولا يزيد على السلام ، واستطلاع الحال غيرةً من سارة عليه من هاجر ، فحين اعتمد على الصخرة أبقى الله فيها أثر قدمه آيةً . قال الله سبحانه : « فيه آياتٌ بَيِّناتٌ مَقَامُ إبراهيمَ » آل عمران أي : منها مقام إبراهيم ، ومن جعل مقاماً بدلاً من آيات ، قال : المقام جمع مقامة ، وقيل : بل هو أثر قدمه حين رفع القواعد من البيت وهو قائم عليه . وقوله : بين المروتين : هو كنحو ما تقدم في بطن المكتين والحمتين وعنيزتين ، مما ورد مثنى من أسماء المواضع ، وهو واحد في الحقيقة ، وذكرنا العلة في مجيئه مثنى ومجموعاً في الشعر . وفيها قوله : وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له ألالا . . . . البيت . فالمشعر الأقصى : عرفة ، وألالا : جبل عرفة . قال النابغة : * يزرن ألالاً سيرهنّ التّدافع * وسمي : ألالاً لأن الحجيج إذا رأوه ألوا في السير ألي : اجتهدوا فيه ؛ ليدركوا الموقف قال الراجز :